2014-04-16

في التعليم العام وشجونه



"في التعليم  العام وشجونه"
أطلق بان كي مون السكرتير العام للأمم المتحدة المبادرة العالمية " التعليم أولا" في عام 2012. وضمت المبادرة العديد من قادة العالم اللذين يؤمنون جميعا بقدرة التعليم على بناء مستقبل أفضل. وللمبادرة أولويات تلاثة وهي:
·      إلحاق كل طفل بالمدرسة
·      تحسين نوعية التعلم
·      بناء المواطنة الصالحة
وكان التقرير العالمي لرصد التعليم للجميع للعام 2012  والذي تناول موضوع " الشباب والمهارات: تسخير التعليم لمقتضيات العمل" قد أكد ضرورة ألإستثمار في تنمية مهارات الشباب.
وبين التقرير في حينه أن 5 ملايين طفل غير ملتحقين بالتعليم الإبتدائي في الدول العربية، وبين التقرير كذلك أن أكثر من عشرة ملايين شخص  تتراوح أعمارهم بين 15 و 24 سنة لم يكملوا مرحلة التعليم الإبتدائي وأن 4 ملايين مراهق غير ملتحقين بالتعليم الثانوي مما يعني بالتبعية أن هؤلاء غير مؤهلين لسوق العمل، وبالتالي فهم يحتاجون لحلول بديلة لإكسابهم مهارات يستطيعوا من خلالها العمل للعيش في حياة كريمة. ومن المهم أن نعرف أن هذا العدد يساوي 20% من عدد الشباب في المنطقة. فإن أضفنا حقيقة أن مايقارب من 20% من الشباب عموما في المنطقة هم عاطلون عن العمل أدركنا حجم المشكلة.   
تقول المديرة العامة لليونسكو أيرينا بوبكوفا ما يلي: "يعاني الشباب اليوم من مشكلة مزمنة هي عدم تطابق المهارات المكتسبة مع المهارات المطلوبة في سوق العمل. ويتمثل الحل الأنسب لمشكلتي التراجع الإقتصادي والبطالة لدى الشباب في ضمان حصول الشباب على ما يحتاجون اليه من مهارات أساسية وأنشطة تدريبية للدخول إلى عالم العمل بثقة". وتضيف:" إن الكثير من الشباب ولا سيما الشابات، يحتاجون الى حلول بديلة للتعليم كي يتمكنوا من تنمية المهارات اللازمة لكسب أجر لائق والعيش بكرامة والإسهام في المجتمعات التي ينتمون اليها".
 كان عام 2000 هو العام الذي أطلقت فيه الأهداف العالمية للتعليم وذلك في مؤتمر عقد بمدينة داكار في السنغال، وكان التقرير العالمي للتعليم الذي صدر في عام 2008 بعنوان " التعليم للجميع بحلول 2015: هل سيتحقق هذا الهدف؟" قد وضع تحديا أمام المجتمع الدولي للسير في تحقيق هذا الهدف الصعب.
صدر في مطلع هذا العام التقرير الخاص ب 2013/2014، وتقول المديرة نفسها متسائلة " لم يبق إلاّ عامان على 2015، فما هي الإجابة على التساؤل الذي طرح عام 2008: هل سننجح؟ من الواضح أن الإجابة هي بالنفي".
ثم تضيف " لايزال سبعة وخمسون مليون طفل يفتقرون الى التعلم، لأنهم ببساطة ليسوا في المدارس. إن الانتفاع بالتعليم ليس الأزمة الوحيدة، بل إن تدني مستواه يعوق تعلم حتى أولئك الذين ينجحون في الالتحاق بالمدارس. فثلث الأطفال في سن التعليم الابتدائي لا يتعلمون الأساسيات، سواء التحقوا بالمدارس أو لم يلتحقوا. وسعياً لتحقيق أهدافنا، يناشد تقرير هذا العام الحكومات مضاعفة جهودها لتوفير التعلم لكل الذين يواجهون العوائق سواء بسبب الفقر أو الجنس أو مكان عيشهم أو أي عامل آخر".
تقول بوبكوفا: "إنما تقاس جودة أي نظام تعليمي بمستوى معلميه. ولذا فإن إطلاق إمكانياتهم ضرورة لازمة لتعزيز مستوى التعلم. وتثبت الأدلة أن مستوى التعليم يتحسن مع دعم المعلمين  ويتدهور إذا لم يتلقوا الدعم، وهو ما يسهم في الوصول إلى المستويات الصادمة للأمية بين الشباب التي يذكرها هذا التقرير".

تضيف المديرة العامة لليونسكو في هذا التقرير: "يجب على الحكومات أن تكثف جهودها لتوظيف 1.6 مليون معلم إضافي من أجل تعميم التعليم الابتدائي بحلول 2015 ويحدد التقرير أربع استراتيجيات لتوفير أفضل المعلمين من أجل تزويد الأطفال بتعليم عالي الجودة.
أولاها، يجب اختيار المعلمين المناسبين بحيث يعكسون تنوع الطلاب الذين سيدرسون على يديهم.
وثانيها، يجب تدريب المعلمين على مساندة ضعف المتعلمين، بدءاً من المراحل المبكرة.
والاستراتيجية الثالثة تهدف إلى القضاء على أشكال عدم المساواة في التعلم من خلال توزيع أفضل المعلمين على الأنحاء التي تشكل التحديات الأكبر في البلد المعني.
وأخيراً، يجب على الحكومات تزويد المعلمين بالحزمة المناسبة من الحوافز لتشجيعهم على الاستمرار في المهنة وحرصاً على أن يتعلم الأطفال جميعهم، بصرف النظر عن ظروفهم."

وتضع السيدة بوبكوفا يدها على قضية في غاية الأهمية حين تقول :" ولكن المعلمين لا ينبغي أن يضطلعوا بالمسؤولية وحدهم. فالتقرير أيضاً يوضح أن المعلمين لا يمكنلهم أن يبدعوا إلا في السياق المناسب، حيث توجد مناهج مصممة جيداً واستراتيجيات للتقييم لتحسين مستوى التعليم والتعلم.وهذه التغييرات في السياسات لها كلفتها. ولذا فإنه من الضروري أن نشهد تغيراً كبيراً في التمويل. فالتعليم الأساسي في الوقت الحاضر ينقصه التمويل بما قدره 26 مليار دولار أمريكي في السنة، بينما يتواصل انخفاض المعونات. وفي هذه المرحلة، لا يجوز ولا يحق للحكومات أن تخفّض الاستثمار في التعليم، كما ينبغي ألا تتراجع الجهات المانحة عن تمويل الوعود التي قطعتها على نفسها. وهو ما يقتضي استكشاف سبل جديدة لتمويل الاحتياجات العاجلة."
إن نظرنا في التقرير سنجد أن نحو 43 % من الأطفال في الدول العربية يفتقرون الى المبادىء الأساسية للتعليم سواء كانوا في المدارس أوخارجها. لايمكن أن نستنتج من هذه الجملة إلا أمرا واحدا وهو أن وجودهم في المدرسة أو خارجها سيان. أي أن المدرسة لاتعلم المبادىء الأساسية للتعليم، وبالتالي ليس من الضروري أن أذكركم بتصريح معالي وزير التربية والتعليم حين قال أن طلبة الصفوف الثلاثة الإبتدائية لا يجيدون القراءة والكتابة. ولكن هل المعنيين هم هولاء فقط أم أن هذا هو ما يظهر من الجبل الجليدي فقط؟. يعزو التقرير سبب هذا الإفتقار لتردي قدرات المعلمين وإفتقارهم للتدريب المناسب لأداء وظائفهم.

وكان التقرير الذي صدر تحت عنوان جودة التعليم قد ركز على تعليم الفتيات في الدول الفقيرة وأورد نماذج من الدول العربية حيث قال أن 36% فقط من الفتيات في اليمن حصلن على قدر من التعليم الأساسي.

يقول التقرير أن التعليم السيء في جميع أنحاء العالم قد خلف" إرثا سيئا" يتجاوز كل التوقعات وأن هذا الوضع الكارثي سيحتاج ال 70 عاما حتى يمكن تحقيق تعهدات قادة دول العالم بضمان حصول كل أطفال العالم على التعليم الأساسي.

أوردت هذه المقدمة الطويلة حتى أتمكن من أن أنقل اليكم الصورة القائمة للتعليم الأساسي في العالم، وأن المشاكل المتعلقة بالتعليم هي مشاكل عابرة للقارات، وأن هذه مشكلة عالمية نحن فيها مع غيرنا، أم أن الأمر غير ذلك؟

عند الغوص في التقارير المتتابعة الصادرة إبتداء من عام 2002 بعنوان "هل نسير على الطريق الصحيح" حتى تقرير هذا العام الذي يتحدث عن جودة التعليم، نجد أن الدول مقسمة إلى من وجد الطريق ومن لم يجدها، وأن الدول التي أحسنت تتنافس بينها لزيادة المردود من التعليم الأساسي وشموليته وعدالته. ويتبين كذلك أن بعض الدول مثل الهند وفيتنام وتنزانيا قد وجدت طريقها للتقدم الملحوظ في هذا المجال، في حين أن البعض الآخر لازال في مكانه لا يدرك ما الأمر أو حتى تراجع مستواه عن نظرائه.

فإن أتبعنا هذا التقرير وضممناه لتقرير TIMMS   الأخير سنتبين حسابيا ودون أمور إنطباعية مالذي يجري في مختلف الدول، ومن تقدم منها ومن تأخر.

لن أحاضر عليكم في ما يجب عمله، فأنتم أدرى بهذا الأمر ولكن قد يكون من الممكن أن نضع أيدينا على بعض مواطن الخلل، أو أن نتحسس المشاكل ونحاول وضع حلول لها، أو قد نستشرف بعض المستقبل لتجنب مزالق قد توقعنا فيها ظواهر جديدة بدأت بالزحف على مدارسنا ومجتمعاتنا.

نحن نعيش في عالم لا ندري ماذا يخبىء الغد لنا فيه، أو هل ستتوفر لنا وظيفة لنعمل بها؟. وحتى نكون مستعدين لكل الإحتمالات فإن تعليما متميزا قد يكون هو السلاح الوحيد لمواجهة ذلك.

يجب أن يكون التعليم متوائما مع ما نعيشه الآن، ومع مستقبل سيعيشه طلبتنا لا يعلمون عنه شيئا. فالكتابة الجيدة كما الرياضيات هي أساس كل عملية تعلم، ولكن القضية الأهم في التربية والتعليم الآن هي زرع ثقافات الإبداع والإبتكار والتفكير الناقد وقبول الآخر في عقول الطلبة، وتنميتها تنمية علمية مع ما يصاحب ذلك من ملكات لغوية ورياضية.

سأطرح بعض النقاط التي قد تكون المدخل لفهم ما يجري في التعليم في العالم العربي وبالتالي لمحاولة إجتراح بعض الحلول، مع إدراكي التام أن ما سأقوله – وأنا متأكد من ذلك – قد سمعتموه مرات ومرات، لا بل فإن البعض منكم قد يكون قد كتب ونادى به. فلماذا لم يتحقق شيْ إذن؟.

يحتاج الإصلاح، أي إصلاح إلى مصلحين، فبدونهم لن يكون هناك أي حركة في هذا الإتجاه. والإصلاح يحتاج إلى إرادة تقف وراءه وتدعمه، وإصلاح التعليم لا يخرج عن هذا السياق.

يبدأ إصلاح التعليم بتوفير الدعم المالي له كنسبة من الناتج القومي الإجمالي، فنسب ال 2 أو ال  4% ( وهي النسبة الغالبة في الدول) لم تعد تكفي، والنظر إلى ما ترصدة الدول التى رفعت وترفع مستوى التعليم، يبين أن الإنفاق فيها يقارب ال 10%.

يمكن إستخدام هذه الأموال في أمور عديدة قد يمكن إجمالها فيما يلي:

أولا: توفير البنى المدرسية الصالحة والكافية: فالصفوف المكتظة وعديمة التهوية ورديئة التدفئة، والأثات المدرسي المهترىء، والمختبرات العتيقة الفقيرة، لا تشكل أي أساس لأي عملية تعلم، لا بل لا تشكل أي موقع جاذب يحب الطلبة التوجه اليه، وفي نفس الوقت لا تشكل بيئة محفزة للمعلم للعمل فيها. إن إفتقار هذه البيئة المدرسية لوسائل النشاطات المدرسية كالملاعب والمسارح والمراسم يضيف واقعا أليما على بيئة كئيبة غير فرحة، بيئة يرغب من فيها بمغادرتها سريعا.

ثانيا: توفير المعلم الكفوء المدرب، الذي يمكنه نقل المعرفة وزرعها في عقول الطلبة، المعلم القدوة الذي يتعلم منه الطلبة الصدق والأمانة والإجتهاد بالإضافة لمواد تخصصه. لا يمكن أخد خريج الجامعة من أي تخصص والإلقاء به في مدرسة ليعلم الطلبة دون إعداد مسبق له، فمن يعرف الفيزياء قد لا يمكنه تعليمها ومن يعرف اللغة العربية قد لا يمكنه تدريسها. التدريس ملكة وفن يتعلم، وله أسس وأساليب، وهذه الأساليب تتغير من وقت لوقت. فما كان صالحا قبيل عقدين من الزمان ليس صالحا الآن. وما هو صالح الآن لن يكون صالحا غدا. يكفيكم النظر لأولادكم كيف يتعاملون مع التكنولوجيا وقارنوهم بأنفسكم لتدركوا الفرق. هل خريج الجامعة هو المعلم الأنسب؟ أم أن خريج كلية للمعلمين هو المعلم المنشود؟ هل تدريب المعلم خريج الجامعة لشهر أو شهرين بعد تعيينه كاف لجعله معلما؟ وعلى فرض أننا وجدنا المعلم المتدرب الكفؤ فهل سيسعد بالراتب الذي سنعطيه له إن كان الإنفاق على التعليم متدنيا؟ أم أنه سيكون موظفا يتقاضى ما تيسر وهو غير راض؟ هل الرضى الوظيفي أساس في إبداع المعلم وحسن أدائه لعمله؟ لماذا يفتتح المدرسون الجيدون مراكز لتعليم الطلبة؟ ولماذا يدرس المعلم في المركز تدريسا من نوع أحسن مما يدرسه في المدرسة؟ لماذا وجد الطلبة أن التدريس في المدرسة شيء والتدريس لدى مدرس خاص أو في مركز شيء أخر، مع أن المدرس واحد؟

كأنني أقول لماذا استشرت الدروس الخصوصية وأصبح الإنفاق عليها يشكل نسبة من دخل المجتمع، إن جمع مع ما يدفعه المواطنون للمدارس الخاصة، أصبحت النسبة أكبر مما تنفقه الدولة من الناتج القومي الإجمالي. هل إنتشرت الدروس الخصوصية بسبب تدني رواتب المعلمين، أم لسؤ التدريس في المدارس؟ أم أن هذا السؤ مقصود لدفع الطلبة للذهاب للدروس الخصوصية؟. أم هو قضية ذلك الإمتحان الذي يخافه الجميع وهو إمتحان الثانوية العامة والتي يرغب الطالب بإجتيازه بمعدل مرتفع لضمان مقعده الجامعي، والطريق لذلك هو المعلم الخاص؟. هل إن ألغي هذا الإمتحان ولم يعد له ضرورة عاد الطلبة لمدارسهم وأغلقت المراكز وتوقفت الدروس الخصوصية؟.

ثالثا: تكليف متخصصين بكتابة مناهج عصرية تواكب التطورات العلمية وروح العصر، تهدف لتحقيق الغايات من التعلم، وتهدف لبناء العقل، مناهج بعيدة عن التعقيد، مبسطة قابلة للفهم، مناهج في كتب جميلة محببة تجذب الطالب، مدعمة بشروح أو رسوم ومزودة بأمثلة وأسئلة تشجع على التفاعل بين الطالب وكتابه. يجب التحرر من القولبة المنهجية، يجب تشجيع السؤال والحوار ضمن المنهاج وخاصة في تلك المباحث الإنسانية والإجتماعية. يجب الإبتعاد عن كل ما يسىء للآخر ويجب زرع روح المحبة والتسامح بين الأشقاء، ويجب التركيز على مفاهيم الصدق والأمانة التي تشكل أساس المواطن الصالح، ويجب التركيز على اللغة العربية وتبسيطها وتحبيب الطلبة فيها. كما أنه من الضروري إدخال مهارات الحوار والنقاش ومهارت الإستماع الى المناهج المدرسية.

إن إدراك المجتمعات للتحديات التي تواجهها هو السبيل لمواجهة هذه التحديات، وإستشراف المستقبل وتوقع المشاكل ووضع الحلول المناسبة إبتداء أمر له أهمية كبيرة، وقد أذكر هنا بعض القضايا التي قد نغفل عنها في خضم إنشغالنا بأمور كثيرة:

إن إدراك أن مشكلة العنف الطلابي المنعكس عن العنف المجتمعي أمر ضروري، ففي ظل تدني مستوي الإشراف الأسري على أبناهم يزداد العبء على المدرسة والمدرس لتعليم مكارم الخلق والإبتعاد عن العنف، إن وجود المدراء والمشرفين القادرين على التعامل مع الطلبة وإدراك مشاكلهم وتوجيههم أمر هام في تقليل العنف المنقول الى المدرسة. إن العنف الموجه للمعلمين من قبل بعض الأهالي أمر يحتاج لوقفة من الدولة لمنعه، وهو عنف يمنع بإكتساب المعلم لإحترام المجتمع وإحترام طلبته، فهو قدوتهم والساعي لتنشئتهم. إن تحسين العلاقة بين المدرسة والمجتمع المتمثل في الأهل أمر على جانب من الأهمية ليس فقط لتمكين الناس من الأحساس بأنهم يملكون المدرسة وعليهم حمايتها بل للبحث معهم في كيفية فهم أولادهم والتعاون في تربيتهم كما هو مرغوب.

إن إنشغال الأهل عن أولادهم، وتدني التوجيه والإشراف المدرسي، والتغيرات المجتمعية التي تعاني منها المجتمعات العربية، قد ساعد على تنامي مشكلة المخدرات بين الطلبة، وهو أمر لابد من إدراكه أولا ثم التعامل معه بدراسة أسبابه ووضع الحلول المناسبة لمنعه. إن التدخين وتعاطي المواد الممنوعة أصبح يشكل عبئا مجتمعيا يجب تظافر جميع الجهود للتعامل معه، ليس لأن له نتائج سئية على الصحة فقط ولكن لأن هذه أمور تقود لأمور أكبر وأخطر.

إن الطلبة هم عماد المستقبل وأمله، وهم اللذين سيقودون هذه الأمة في طريقها لمستقبلها الأفضل، فعلينا الأخذ بيدهم وتنشئتهم تنشئة صحيحة مناسبة للمستقبل الذي نرجو، يجب أن نعلمهم كيفية ممارسة الديمقراطية، وكيفية إحترام الرأي الأخر، ويجب أن نزرع فيهم حب الوطن ومصلحته، وأن نعطيهم الفرص لممارسة ما تعلموه وأن لا نحجر على عقولهم وأن نجيب على تساؤلاتهم. يجب أن نكون قدوة لهم إن كنا أهلا أو معلمين، ألسنا نريد منهم أن يتسلحوا بالعلم والخلق والصدق والأمانة ليقودوا أوطانهم في مختلف المجالات بصورة تعيد لهذه الأمة مجدها التليد وترفعها للمكانة التي تستحق بين الأمم.



محاضرة في جامعة الزرقاء الأهلية 16/4/2014

2014-04-11

الأكاديمية الأردنية العليا للتعليم التقني

الأكاديمية الأردنية العليا  للتعليم التقني:
المشروع الذي لم يكتمل

هذا سرد تاريخي مبتسر لبعض ما جرى في هذا الموضوع، وجزئيات من المبررات التي سيقت لإقتراحه، وكيف سار الأمر وكيف توقف، والهدف من هذا السرد هو التوثيق دوما والتذكير أحيانا، لأن ذاكرة الناس قصيرة والمدعون كثر.

تاريخيا قدمت كليات المجتمع  برامج من سنتين لثلاث سنوات، واشترط للحصول على دبلومها النجاح في امتحان عام شامل (قرر لاحقا)، عارضه كثيرون، ثم اعتقدوا بضرورته، واستخدم فيمابعد للسماح لبعض الناجحين فيه بالتجسير الى برامج بكالوريوس في نفس الحقل ولكن في الجامعات.

حققت كليات المجتمع (الكليات الجامعية المتوسطة لاحقا)  العامة والخاصة نجاحات كبرى وأقبل الطلبة عليها غيرانه وبعد أن سمحت الحكومة في بداية التسعينات من القرن الماضي بإنشاء الجامعات الخاصة تأثرت الكليات الجامعية المتوسطة بشكل ملحوظ من حيث أعداد الطلبة المتوجهين إليها اللذين أغرتهم الشهادة الأكاديمية والراتب لأحسن.

قامت الحكومة عام 2005 وبالتعاون مع منظمات دولية بإعداد دراسة حول إعادة هيكلة وتنظيم كليات المجتمع في الأردن، أعدتها لجنة بتكليف من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي لتقييم التعليم في هذه الكليات حيث بينت الدراسة ضعف مواءمة البرامج المطروحة ومخرجاتها لسوق العمل و للتقدم التقني، وبينت الدراسة كذلك أن كليات المجتمع كانت في واد والمدارس في واد آخر ولا تنسيق بينها، وأن القائمين على التدريس ينقصهم التأهيل ويعيشون عدم رضى وظيفي كبير.

بعد هذه الدراسات المستفيضة توصلت الحكومة إلى ضرورة تغيير الهيكل التنظيمي  لكليات المجتمع وباشرت جامعة البلقاء التطبيقية عملها (صدر قانونها عام 1997)، حيث انتقل الإشراف على كليات المجتمع من وزارة التعليم العالي إليها   بهدف تحديث وتنسيق برامجها ومتابعة عملها إداريا وأكاديمياً وتعزيز دور القطاعات الصناعية المختلفة في تطوير التخصصات التقنية. وتمت إناطة الإشراف على الإمتحان الشامل بهذه الجامعة الناشئة.

على الرغم من أهمية التعليم التقني، غير أننا لم نر له أثرا كبيرا في حياة الأردنيين أو في اقتصاديات بلادهم، وقد يكون السبب الرئيس في ذلك هو أن الجهة التي انيط بها تطوير هذا النوع من التعليم وهي جامعة البلقاء التطبيقية، لم تقم بذلك بل حادت عن الأمر وتركته لتركز على أمور لم تكن ضمن حقل إختصاصها، وأعني بذلك توجهها لبرامج على مستوى البكالوريوس والماجستير، لا بل تجاوزت هذا الأمر بأن حولت ما انيط بها من كليات متوسطة لكليات جامعية. غير أنه من المناسب القول أن الكثيرين من المواطنين غير مقتنعين بهذا النوع من التعليم، وبعضهم لايريد له الخير.

يبلغ عدد طلبة كليات المجتمع (22000) طالبا هذا العام، بعد أن كان حوالي (35000)  في عام 2002 وهذا يعود لأسباب عديدة أهمها ما يلي:
أولا:   القوة الجاذبة للجامعات الخاصة وتدني معدلات القبول فيها وإرتفاع راتب خريجها عن راتب خريج الكلية المتوسطة.
ثانيا: قيام جامعة البلقاء التطبيقية بتحويل معظم الكليات الجامعية المتوسطة إلى كليات جامعية تمنح درجة البكالوريوس (بالإضافة إلى الدبلوم المتوسط) وكذلك الدبلوم العالي والماجستير لأسباب قد يكون الحصول على إيرادات مالية إضافية أهمها ( وهو نفس السبب الذي دعى الجامعات الحكومية إلى إستباط البرامج الموازية وفي نفس الوقت تقريبا - 1197/1998 -  وذلك بعد البدء في تحويل ما يحصل باسم  الجامعات لخزينة الدولة بدل صندوق أمآناتها في البنك المركزي).
ثالثا:  وجود أخطاء هيكيلة في نظام الخدمة المدنية سمحت بالتفاوت الكبير بين رواتب حاملي الدبلوم وحاملي البكالوريوس، وهو تفاوت لم يكن يذكر في منتصف الستينيات من القرن الماضي. غير أن هذا التفاوت وبعد أن اصبح كبيرا وعندما تم حرمان حاملي شهادة الدبلوم المتوسط من تقلد مناصب إشرافية أو قيادية، وعندما سمح لاحقا بالتجسير للجامعات، لم يبق هناك أي قوة جذب تبقي الطلبة في هذه الكليات المتوسطة.
       
بينت وثيقة مشروع تطوير التعليم العالي نحو الإقتصاد المعرفي والتي كتبت بالتعاون مع البنك الدولي عام 2009، أن كليات المجتمع تعاني من مشاكل جمة منها، وكما ورد في لتقرير:
1)              التغير المستمر في قياداتها والجهات المشرفة عليها.
2)              غياب سياسة واضحة لتنفيذ الأهداف التي أنشئت من اجلها.
3)              ضعف الالتزام لبناء النظام المؤسسي المطلوب.
4)              ضعف قدرات المدرسين خاصة في المجالات العملية والمهنية.
5)              غياب آليات وأنظمة لمراقبة الأداء والمساءلة.
6)              ضعف الربط بين مخرجاتها وسوق العمل.

وعليه فقد أوصى التقرير بفصل الكليات الجامعية المتوسطة عن جامعة البلقاء التطبيقية وإنشاء إدارة مستقلة تشرف عليها وتضمن مواءمة وجوده برامجها لاحتياجات سوق العمل وتساهم في زيادة أعداد الطلبة المتوجهين للدراسة فيها.

 بادرت كرئيس لمجلس التعليم العالي في عام 2010  بعرض عدد من الأفكار عليه، وقد تبنى المجلس عددا منها  محاولة منه لعكس الإتجاه، والبدء في التحضير لتنفيذ مشروع لإدارة التعليم التقني بعيدا عن جامعة البلقاء التنطبيقية، ومنها:
1)     رفع الحد الادنى لمعدل الثانوية العامة للقبول في الجامعات الخاصة من 55% إلى 60% مع الإبقاء على الحدود الدنيا للتخصصات التي تزيد عن 60%.
2)     العودة عن قرار مجلس التعليم العالي بالسماح لجامعات مؤتة والحسين بن طلال والطفيلة التقنية وال البيت بقبول طلبة في البرنامج الموازي بمعدل 60% في الثانوية العامه ورفعه الى 65% كما في الجامعات الرسمية الأخرى.
3)     تشجيع الطلبة على الإلتحاق بكليات المجتمع عن طريق فتح باب التجسير بإلغاء شرط معدل الثانوية العامة مع إشتراط 68% كمعدل للإمتحان الشامل، ماعدا المجسرين للهندسة والطب البيطري والصيدلة فبقي عند 70%.
4)     تشجيع الطلبة على الإلتحاق بكليات المجتمع عن طريق معادلة مساقات درسوها في كليات المجتمع وبحد أقصى (45) ساعة معتمدة لدبلوم السنتين و (55) ساعة معتمدة لدبلوم الثلاث سنوات، والغي في نفس الوقت شرط السنوات السبع ىالمتعلق بالإمتحان الشامل.
5)     الطلب من جامعة البلقاء التطبيقية الحصول على موافقة مجلس التعليم العالي قبل استحداث برامج الدبلوم الجامعي المتوسط وإخضاع هذه البرامج لمعايير الاعتماد، وذلك استناداً إلى قانون التعليم العالي والبحث العملي لعام 2009 الذي تم إقرارة قبل ذلك بفترة قليلة.

كان لابد من فكر جديد ورؤية جديدة لتغيير الواقع المرير وكان ذلك يحتاج لإنشاء مؤسسة لإدارة أمر من هذا القبيل ووضع الواقع الجديد موضع التنفيذ، ومن هنا جاءت فكرة الأكاديمية العليا للتعليم التقني، وعليه:
‌أ)                  تم التنسيق مع فريق البنك الدولي ضمن مشروع تطوير التعليم العالي نحو الاقتصاد المعرفي ووكالة الإنماء الدولية الكندية (CIDA) لإجراء دراسات عاجلة وتقديم مقترحات بهذا الشأن، وعقدت إجتماعات كثيرة مع وفود زائرة من هذه الجهات.
‌ب)    تم القيام بزيارات للاطلاع على تجربة الكليات التقنية العليا في دولة الإمارات العربية المتحدة.
‌ج)     أقترح  مشروع قانون متكامل للأكاديمية الأردنية العليا للتعليم التقني ( القانون رقم 42 لسنة 2010)، تم السير فيه واصدره مجلس الوزراء كقانون مؤقت بعد دراسة مستفيضة.
‌د)      كان من الفترض إنشاء ثلاث كليات تقنية عليا تابعة للأكاديمية،  وأعلنت مؤسسة التنمية الدولية الكندية نيتها تقديم دعم مالي للمشروع. وقامت الحكومة برصد مبلغ 10 مليون دينار لهذا الغرض في الموازنة العامة، بحيث بادر دولة الرئيس في خطاب الثقة بالإعلان عن موقع هذه الكليات الثلاث في محافظات العاصمة وجرش والعقبة. وأعلن أن هذه الكليات هي البداية لأقامة كلية تقنية عليا  في مركز كل محافظة.
‌ه)      عقدت عدة إجتماعات مع المسؤولين في  ديوان الخدمة المدنية لتعديل سلم رواتب موظفي الفئة الثانية (الحاصلين على درجة الدبلوم المتوسط) بحيث تصبح الفروق بين رواتبهم ورواتب موظفي الفئة الأولى (الحاصلين على درجة البكالوريوس) قليلة، وقد شكلت لجنة وزارية لهذا الغرض وبالتعاون مع مجلس الخدمة المدنية وديوان الخدمة المدنية تم تقديم مقترح بهذا الشأن وافق عليه مجلس الوزراء.
‌و)     أصدرمجلس الوزراء قرارا بتشكيل مجلس أمناء يمثل كافة القطاعات العامة والخاصة ذات العلاقة، وحسب نص القانون المشار اليه أعلاه.
‌ز)     وضع القانون المؤقت أمام مجلس النواب في حينه، وقد تمت محاربته بشراسة غير معهودة، من قبل القوى التي تريد بقاء الوضع كما هو أو التي تعتقد بأن التعليم الجامعي الأكاديمي هو الأوجب. وأستعملت حجج كثيرة لإبطال المشروع واستدعيت مقولات محاربة الإستثمار وغيرها لوأد المشروع والذي قام مجلس وزراء لاحق بإعلان بطلانه ونشر ذلك في عدد الجريدة الرسمية رقم 5092.