2026-09-08

لماذا ينبغي ألا نزيد أعداد المقبولين في كليات الطب في الأردن؟

ُطرح بين الحين والآخر مطلب زيادة أعداد المقبولين في كليات الطب في الأردن، وغالباً ما يُقدَّم هذا المطلب تحت عنوان «حق الطالب في اختيار التخصص الذي يرغب فيه». وهذه حجة تبدو منصفة للوهلة الأولى، لكنها تتجاهل سؤالاً أكثر أهمية: هل من حقنا أن نقبل طالباً في كلية الطب إذا كنا لا نستطيع أن نضمن له تعليماً سريرياً جيداً، وفرصة معقولة للتدريب بعد التخرج، ومستقبلاً مهنياً يتناسب مع السنوات الطويلة التي أنفقها في الدراسة؟

الحق في التعليم حق أصيل، لكن الحق في التعليم لا يعني أن لكل طالب حقاً مطلقاً في دراسة أي تخصص يختاره، بصرف النظر عن الطاقة الاستيعابية أو حاجة المجتمع. ولو قبلنا بهذا المنطق لوجب فتح جميع التخصصات المهنية لكل من يرغب فيها، حتى لو لم تتوافر لها إمكانات التدريب أو فرص العمل. وهنا تتحول المطالبة بالحق إلى إضرار بالطالب نفسه.

والطب ليس تخصصاً جامعياً عادياً يمكن زيادة مقاعده بإضافة قاعة محاضرات أو عدد من أجهزة الحاسوب. الطب يُدرَّس في المستشفى كما يُدرَّس في الجامعة. يحتاج الطالب إلى مريض يفحصه، ومدرّس يشرف عليه، وسرير سريري يتعلم حوله، ومختبر ومهارات وإجراءات طبية يشاهدها ويمارسها. فإذا تضاعف عدد الطلبة ولم تتضاعف هذه الموارد، أصبح كل طالب يحصل على نصيب أقل من التدريب الحقيقي. عندئذ قد نكون قد زدنا عدد خريجي الطب، لكننا لم نَزِد بالضرورة عدد الأطباء المؤهلين بالمستوى الذي نريده.

ثم يأتي السؤال الاقتصادي. دراسة الطب مكلفة، ليس على الأسرة وحدها، بل على الدولة والجامعة والمستشفى والمجتمع. فما الجدوى الاقتصادية من استثمار مبالغ كبيرة ولسنوات طويلة في تخريج أعداد تفوق قدرة سوق العمل وبرامج الاختصاص على استيعابها؟ البطالة بين خريجي الطب ليست مجرد مشكلة توظيف؛ إنها هدر لاستثمار وطني ثمين، وقد تدفع الكفاءات في النهاية إلى البحث عن مستقبلها خارج البلاد.

أما القول إن الأردن يحتاج إلى مزيد من الأطباء، فيحتاج إلى شيء من التدقيق. القضية ليست مجرد عدد الأطباء، بل أين يعملون؟ وفي أي تخصصات؟ وفي أي مناطق؟ قد نعاني نقصاً في تخصص أو محافظة، وفي الوقت نفسه يكون لدينا فائض في أماكن وتخصصات أخرى. وزيادة القبول العشوائية لا تعالج سوء التوزيع، بل قد تزيد المشكلة تعقيداً.

لذلك فإن السؤال الصحيح ليس: كم طالباً يريد دراسة الطب؟ بل: كم طبيباً يحتاج الأردن، وكم طالباً نستطيع أن نعلّمه وندرّبه تدريباً جيداً؟

إن مسؤولية الدولة تجاه الطالب لا تنتهي بمنحه مقعداً جامعياً، بل تبدأ من هناك. ومن الظلم أن نبيع للشاب حلماً لا نستطيع توفير مقومات تحقيقه. ولهذا فإن ضبط أعداد المقبولين في كليات الطب ليس تضييقاً لحق التعليم، بل حماية لجودة التعليم، ولمستقبل الطالب، ولموارد الدولة، وقبل ذلك كله حماية للمريض.

فالغاية ليست أن يكون لدينا أكبر عدد من الأطباء، بل العدد المناسب من الأطباء، بالتخصص المناسب، وفي المكان المناسب، وبالمستوى الذي يستحقه المريض الأردن.

هذا الموضوع له مؤيدون ومعارضون، وهذه وجهة نظري، فأرجو من الأخوة  والأخوات ابقاء النقاش في داخل هذا الإطار وعدم خلط الأمور لتتضح الصورة أمام القارئ فيكون رأيه بعد سماع مختلف الآراء.

No comments: